مُخَيَّمُ عليا

وما كان للشتاء روح عليا.
وما بقي لليل روحي ..
سخاء السماء يقينا وموت الابرياء كان شك..
قوما عشقوا الخيام جهلا وطرق الحياة الركيكة ..

صورة

كان المخيم جسم عليا وظل الشتاء غطاء شعرها ،يوم كانت تستيقظ تحت رشقات المطر والبرد السمج فجرا ..صار الصباح وجه عليا , ولم تعد تتحمل حجارة الكرميد الارجواني فوق سريرها ..اخدت تعلق ثوبها الزيتي المقلب باللون الاسود والمرقع بلحظات الحب والحنين الفائتة ..لم تترك قبعتها الصوفية التي كانت على شرف عيد ميلادها التاسع عشر اثناء قدوم جدها من مدينة استانبول ..
لم يزدها رقيا في هذا الشتاء سوى ماءا اغرقت سقف سريرها وحوض المخيم المتمم للموت ، فحينما ترى اطفال البرك الشتوية يشوبهم فرح صارخ تحت زخات المطر ،كانت تهتز حزنا من خلف نافذتها العريضة ولربما لأن قاربا لم يعد يتسع لمخيم صار الهزيج والضباب مزيجه والحنين ذاكرته الجميلة ..الطرقات معبأة بحشرجة البرد الصريع و عيدان الخشب ما زالت تقاوم تحت شرارة الجدة ونيف من جيران سكنى المخيم ..راحت تمعن تأملا في سيقان اشجار الليمون المنتشرة خلف بيتها وبقيت تستعيد صمتا وتفرد وجنتيها ابتساما للسكون الساكن مع قطرات المطر المحشوة نقاء من السماء ..رتبت خصلات شعرها خجلا من قدوم زخات مطر اخرى فوق حبات الليمون واطراف المخيم ..كانت المياه الوفيرة تغزو شوارع المخيم وتأكل طينا رسمت عليه عليا قبل ساعات ‘ لا تتركوني شاحبة مثل القمر’ !..حتى ازداد وضوح حروفها في وجه العابرين فوق احلامها ..اشتد المطر وحبات الثلج سقوطا …
” ما حال ابناء المخيم المتهالك وبيوته العتيقة الان وبعد ذلك الجو المحتضر من حشوة الماء ..الم يعد الوقت حالكا لنا ؟! هل نحن مذنبون لاننا نعيش؟!..هل لان ابي مات بردا انا سأتحمل بقية الموت عطشا ؟!..لي شتاء يلحفنى ولكم صيف يدميكم ..!.”قالتها عليا وهيا لم تزل تحدق عميقا في حبة ثلج على عتبة النافذة ..تركها لها الرب لتسمع جوابه …
أجنون ان تكون فلسطيني (كما قال الشاعر محمود درويش) ..؟!
لماذا علينا ان تحمل عبء وجودنا ونحن في ظل الله تعالى..!؟!.
نستطيع العودة بدون ثياب الشتاء ولكن امنحوا مخيمنا هذا شهادة وفاة وذاكرة رطبة ..رفعت عليا عيناها بتثاقل حاجبيها المتجمدان من صقيع المخيم ..على افق خط نظرها هناك طريق طويل يقطع منتصف مخيمها ويمضي ملتفا خلف المنعطف امامها ..ربما ليقطع مخيم اخر .كذلك ثمة رجال ملتحفون خلف بيت من الاخشاب يشعلون كوما من الحطب وبقية بيوت المخيم ..مرت ساعت وعليا تحكي سرها للشتاء حد البكاء ..
ظهر من جانب المنعطف بعد ان سبقه صوت معطوب مقدمة باص يقل عدد من اهل القرى المجاورة وممن غادر المخيم قبل ايام ونيف ..جعل عليا تمسح دموعا سقطت منها لان شيأ اسمه عودة تحن له عليا ..حتى لو كان رجوعا هزليا لاناس عابرون..فرقتها اجمل من الورد واعذب من فاكهة الحب ….لم يزل الرجال ملتصقين بضهر البيت ويطلقون تأوهات البرد فوق لهيب الحطب ..استطاعت عليا ان تنام على سريرها وهي في حالة جيدة من النعاس والبرد والطمأنينة ..
كان معطفها معلقا وقبعتها بجانبها ..استدارت للنافذة ورمقت الفضاء الخارجي بنظرة اندهاش وتحزم ..!.. ملئت حقيبتها الجلدية البنية المركونة من السفر الاخير عند جدتها اسفل غرفتها وحملت وعاء اللبن ..
كانت عليا ممن لحقوا بالباص العائد من جولته باليوم التالي ..تحلم بيوم اجمل ودخل اعلى رغم اشتداد الغيم ..
صارت السماء جفون عليا ..راحت عليا ولم تعد …!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s