ابن مخيم ,عذاب لجوء!

ملاحظة

(بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الارض ولا في السماء )
تقرير.مخيم البقعة.الاردن

———————
كله مخيم! ..حتى ملامحه تبعث على اللجوء !
بكل ما منحه المهجر من ضياع ،يبتسم !
عجلات عربته تتخلخل فوق ارصفة الغربة ..وتمضي نحو الوطن ,او لربما الى حافة يرى منها الوطن !..
وما اثار اعجابي واستنتاجي بأن المخيم الفلسطيني اينما انشأ ,له نفس سيكولوجية البنية ! ..لو نظرت اليه من مرتفع سترى فلسطين حزينة ..فيه ‘مدارس الوكالة’ وسوق يوم كذا وكراج السيارات ومساجد تكنى بمدينة حيفا او اللد وبقية المدن حسب تجمع اللاجئين حول تلك المساجد وبيت ابو فلان لصلح العائلات المتخاصمة وهو ذاته المكان الذي يصدر صوت الرجال عندما يسترجعون يوم من عام1948!..وبيت ام فلان معلمة اجيال فن التطريز وصنع الحناء ..ستجد حتما على مدخل المخيم عبارة’ فلسطين حرة’او ‘العودة ‘ورسم مفتاح..او ناجي العلي بحضور رمزه الخالد حنظله .
55
يوسف عبيد ..
ابتسامته الخلقية الساحرة, غير كونه يبتسم للمخيم ،جعلتني اركن كل ما لدي واستمع له !..يوسف الشاب الاثلاثيني ذو القبعة السوداء المهترئة من شمس التفاؤل وسوق الكراج ،يجر عربته الخشبية نحو مكان ليقف به ويبيع ما تبقى من مشغولاته النحتية والفنية البسيطة لاهل المخيم او لربما لسائح انساني جاء ليرى وطن ينزف !..يوسف كما تحدث ..في صغره طلب من امه دفتر رسم فاحضرت له رغم قلة الحيلة وضعف القوت ..طلب بعد سن متقدم علبة الوان فاحضرت له علبة الوان زيتية لم يكن من السهل شراءها لاشخاص اخرين بالمخيم ..هكذا كانت طفولة يوسف مع امه بعد موت ابيه ..حيث توفي ابوه وهو في بطن امه ..فعاش يتيم الاب والوطن !
الحقته امه بجمعية لرعاية الايتام وتعليمهم ،فكان ينشط معهم ويمارس هوايته بالرسم وكبر في ظل هذه الجمعية وتحت رعايتهم الى ان شب  واصبح عشريني فترك الجمعية واصبح يبحث عن عمل ليعيش بكرامته وامه دون مساعدة من احد او دعم اممي متقطع !. فيقول يوسف : ادور بشوارع المخيم وعندما اجد قطعة خشبية اوبلاستيك مرنة في القمامة او غيرها وما الى ذلك احضرها واقوم بتغيير معالمها لتصبح قطعة فنية صالحة للعرض والبيع..ومن هنا بدأت حكاية اخرى مع يوسف في حياته ..فبدأ يتزايد حبه وطاقته للعمل بتلك المشغولات الفنية .وان كانت بسيطة بعض الشيء فقد تأتي له ببعض المال ،حيث المخيمات الفلسطينية تفتقر للمؤسسات التنموية الفاعلة والدعم الاممي الجدي لتنمية الشباب الفلسطيني وتهيأتهم لسوق العمل والخروج من ذلك الواقع الاليم للعالم المتحضر الفعال..يقول يوسف رغم قلة الامكانيات والخبرات الفنية بالمخيم .بدأت باعطاء محاضرات لتعليم فن الرسم وعمل التحف اليدوية في الجمعية التي تربيت بها صغيرا .واتقاضى بعض المال لقاء ذلك النشاط اليومي . وكشخص فنان ونفسية واسعة وبابتسامته الدالة على ارادة حياة بين قسمات وجهه البشوش ..كانت بداية لعمل اخر ..يقول ..كنت قد فكرت بعمل محل لبيع التحف والمشغولات وواجهت على الفور عقبة التمويل وان كان مبلغ ليس بالكبير !..لم يحلو لي ان اطلب مساعدة مؤسسات ربحية ونحوه فقد بدأت أبني ورشتي بنفسي واحضرت مقص الخشب والادوات الاخرى تباعا ,حتى هذا اليوم فاني امتلك ورشة متوسطة الحجم انتج كل ما استطيع ويتوفر لي من امكانية واطلقه للبيع على عربتي هذه ,ويشير لعربته المتخلخلة من شوارع مخيمه المتكسرة !
وعند تلة تطل على كامل بيوت المخيم وتحت شجرة زيتون زرعت يوم وصل جده الى هنا مهجرا ! يضيف يوسف..انا شخص محبوب جدا هنا لاني اتعامل ببساطة مع جميع الناس -وابتسامة تملئ وجهه – احب المخيم واهله وهم جزء من ذاكرتي ….
بعد صمته وتأمله المخيم من اعلى ..

يلتفت قائلا..لم أعش  ولو يوما في وطني ! فقط كنت ارى وطني وانا صغيرا عندما كانت فرق الكشافة تذهب للغور على حدود الاردن -فلسطين فقد كنت ابتسم لارضي واهلي من بعيد وابعث بالقبل للهواء الرطب المغادر نحو بلدي ..جملة قيلت لنعذب’ لاتحلم وتنسى ان تعيش’ !

احلم بيوم ارجع فيه مكرما لقريتي وانسى قهر المخيم واتذكر حنين الوطن !
ما زال يوسف يكافح الحياة بابتسامته الرطبة وما هو الا حالة لبقية المخيم من الشباب والفتيات، الناشئين الحالمين ..فالموت في الوطن احن من العيش بالغربة!